البعث :الذكري الثالثة و السبعين … ولادة أمــــــة أم تأسيس حــــــــزب ؟

البعث :الذكري الثالثة و السبعين … ولادة أمــــــة أم تأسيس حــــــــزب ؟

بقلـــــــم : يوغرطة السميري

إذا كان العلامة العربي “محمد العابد الجابري” قد حدد في دراسة له فكر الأستاذ القائد المؤسس للبعث من أنه فكر شمولي ذا نظرة فلسفية للأمور مما يجعله صاحب مذهب لا بل رسالة عنوانها “بعث النموذج المحمدي الحامل رسالة العرب”.* فان تأسيس البعث في السابع من أفريل سنة 1947 ، هو الانتقال المنظم و الواعي لهذه الرؤية الشمولية للأمة العربية و موقعها الإنساني من حيزها النظري بصيغة الإيمان الغير منفصل علي محيطه إلي حالة مادية فاعلة اقتضتها طبيعة واقع العرب ، و ما يفترضه من رد موضوعي يستوجب الحل بما يجعل منهم حالة منسجمة مع ارثهم التاريخي في جانب و في جانبه الثاني بما يؤشر لهم الخلل الذي يجدون فيه أنفسهم حاضرا و بما يؤشر لهم ثالثا سبل استعادة أنفسهم معنويا و ماديا في مستقبلهم .

• تأسيس أشر الضياع الذاتي و الجماعي للعرب كذوات أفقدها توازنها و جعلها ذات مفتوحة أمام اتجاهين لا غير إما مرتدا منغلقا و متدحرجا للوراء ليعمق الضياع أو قافزا متشبثا بالتقليد لتجارب الأمم الأخرى بما يجعل الأمة و في كلا الاتجاهين أمة تقف علي قارعة طريق الفعل الإنساني تماما كالأشجار المثمرة علي حافة مسارب طرق الرعاة أو المارة من الأمم الأخرى كل يأخذ منها حسب حاجته إن كان ثمارا أو أغصانا حد تقشير نسغها بما يجعلها أمــــــة عرضة للاندثار و التلاشي .

• تأسيس جعل من قيم رسالة الأمة العربية في بعثها الأول عنوان فعله المادي بصيغة الرد علي الواقع الفاسد و منطلقا تربويا في تحقيق الانقلاب علي الذات الخاصة لكل عربي بما يمكنه من الاتصال روحيا بماضيه دون الارتداد المتدحرج للوراء أو القفز الشكلي إلي تجارب أمم أخري و نقلها في ظاهر فعلها دون مراعاة واقع الأمة و ما يختزنه موروثها و طبيعة موقعها المعاصر في نظر غيرها من الأمم المنقول عنها . أمم لم تحقق ما حققته إلا بالربط بين ماضيها و حاضرها دون الانفصال عن مقتضيات العصر .

• تأسيس أشر علّة الواقـــــع العربي التي تلخصها النظم العربية القائمة و علاقتها بالجماهير من ناحية و طبيعة فعلها آنذاك ، ليقترن بالدعوة إلى بناء نظام سياسي شعبي رؤية و فعلا ملتصق بالجماهير العربية ومستجيبا لحاجاتها في العدل و المساواة و الوحدة ، وفي أعلي هرم الحاجات تحرير الأرض ليس من بقايا الاستعمار فحسب وإنما من ذيوله وتابعيه من الفاسدين لما يمثلونه من نوافذ لا تسهل التدخل الأجنبي فقط و إنما لما يمثلونه من إدامة لحالات الضياع بصيغة الفكر و السلوك معنويا و من أجهزة و نظم موازية تعمل بصيغ متعددة لأجل بقاء الدولة و السلطة فاسدة .

• تأسيس أفضي بعد عقدين من الزمن إلي الانتقال من صيغة الخطاب و التأطير الشعبي إلي التجربة الميدانية في القطر العراقي و خلق تجربة ميدانية امتددت بفعلها المشرق طيلة ثلاث عقود من الزمن و مثلت ألق الأمة في النهوض تجربة ضربت من الخارج نتيجة نجاحاتها في جل الميادين ، رغم ما يؤشر البعث فيها من نقائص لم تغب عنه و لم يدعي أنها التجربة المكتملة ، و لكنها التجربة التي حصنت العرب في أمنهم و لم تحصن نفسها منهم باعتبار أنهم جزء من فعلها . تجربة بصيغة المثال الذي يبكيه كل وطني شريف و سيبقي العرب يبكونها طالما أنهم يتعاملون مع واقعهم من خلال رؤية لا تتجسد قيم أمتهم كما أشرتها رسالتها الخالدة معنويا و فكريا كما حددتها استراتيجية البعث كخلاصة فيما تمثله الأهداف التي رفعها ، و لن يحصدون إلا الوقوف علي قارعة طريق الفعل الحضاري للإنسانية إذا ما بقوا يناقشون الظواهر المفعّلة علي حساب الظواهر التي تتهدد هويتهم الجامعة ليضيفوا بفعلهم هذا أرضية جديدة تتوه الأمة العربية من خلالها في أوحال أزقة سوداء من الطائفية والمذهبية و العشائرية.. و يقضون بذالك علي ما امتلكوه من مقومات الدولة الحديثة حتى في صيغها الشكلية .

تأسيس مرّ عليه سبعة عقود و نيف ،و ها أننا نعود إلي ذات الظروف الموضوعية التي أوجدت البعث بصيغة الرد الموضوعي للأمة علي ما يتقصدها في وجودها لا بل فان الصور و المشاهد أكثر قسوة و أكثر إيلاما ، و أكثر فعلا تخريبيا للنظم مما كانت عليه عند التأسيس بما يؤكد من جديد صحة وأصالة رؤية البعث العربي الذي أختط استراتيجية جذرية للخلاص حددت أسس وقوانين الصراع بيننا وبين أعداء أمتنا. و ليعلم كل من لازال عقله متشبثا بشيطنة البعث من تستهويه خطابات التزلف الفكري من إن الفكر يغني نفسه ويتطور مع تلك الصلة الحية والدائمة مع الواقع كما يجسده ويتفاعل معه التنظيم والحزب فالإنسان إذن ليس بحاجة ليطلع على كل ما هو تفصيلي وشامل ليغدو مؤمنا وإنما حسبه إن يطلع على اللبنة الأولى أو على ما يتضمنه خط البداية من أفكار ليأخذ الإيمان مجراه ، إن الإيمان يسبق المعرفة بل هو الدافع إليها إذن فان خط البداية أو الينبوع الأول لمجرى الإيمان الذي يفضي إلى الهداية هو النموذج وهكذا تبدأ الحياة بخط للبداية صحيح وبنموذج صادق ومؤمن ومضحي ومن ثم الشجاعة فالشجاعة عند الأنبياء مصدرها الإيمان وعلى هذا الأساس من إشعاع هذا النموذج كانت المجتمعات المؤمنة تتكون. و لكون واقع البعث لم يكن السلطة في ذاتها بقدر ما هي مصلحة الشعب و الأمــة العربية سواء في القطر الواحد أو الوطن الكبير فإننا نري المقاومة العراقية الباسلة و بكل فصائلها و البعث عمودها الفقري و هي تدخل سنتها السابعة عشر باكتمال التلاحم بين الفعل المسلح الذي أجبر قوي الشر و الحرب و الدمار الصهيو ـ الأنجلوــ أمريكية بكل توابعها الغربية علي الانسحاب مع الفعل النضالي السلمي مجسدا اليوم في ثورة أكتوبر الشعبية المتصاعدة و التي دخلت شهرها السابع لكنس الذيل الإيراني لهذا الفعل المجرم .. انتقال و تلاحم يبشر بولادة تجربة جديدة للفعل الوطني و القومي و الإسلامي المستقل و الجامع ، فعل يفرض علي كل عربي أن يكون له فيه دورا مساندا حسبما تقتضيه إمكاناته و قدراته علي طريق ولادة الأمــــة العربية المستقلة و المتحررة بصيغة واقع معاش ليس لنا و إنما للأجيال القادمة أساسا.

تونس ــ أولاد بوسمير في 06/04/2020

d.smiri@hotmail.fr

البعث :الذكري الثالثة و السبعين … ولادة أمــــــة أم تأسيس حــــــــزب ؟

0