الكارثة المائية في العراق .. كيف هو المخرج

الرفيق الدكتور أبو الحكم

  • الإيرانيون يحفرون تحت الجدار الأمريكي .

  • الأمريكيون يحفرون خندقاً لحماية مصالحهم .

  • الإيرانيون مدحورون إلى ما وراء حدودهم .

  • إعلان فشل التوافق الاستراتيجي الأمريكي- الإيراني .

هذا المشهد ، يمثل الفشل الذريع الذي أحاق بالتوافق الاستراتيجي الأمريكي – الإيراني لحكم العراق بعد تجربة سقيمة وفاشلة منذ خمسة عشر عاماً .. وقد تمثل هذا الفشل المخطط له بإتقان ، بالمجموعة الإيرانية التي جلبتها أمريكا مع جواسيسها من خارج العراق إثر احتلالها إياه بالتخطيط والتوافق ، وتسيير عملية سياسية فاشلة وفاسدة وكسيحة جلبت الويلات لشعب العراق وفي مقدمتها إنعدام الأمن والاستقرار ، فضلاً عن تدمير الدولة وتمزيق الشعب .

فالهدف المشترك الأمريكي الإيراني هو إضعاف ونهب وتفكيك العراق بأدوات إيرانية ، كما يحصل الآن في سوريا ، إكتساح عسكري روسي كغطاء لتفكيك سوريا بأدوات إيرانية .

التوافق الاستراتيجي هذا مر بمراحل مهمة :

الأولى –  التوافق السياسي على احتلال العراق .

الثانية –  التوافق على شرذمة الشعب العراقي طائفياً وإثنياً في دستور ملغوم .

الثالثة –  التوافق على النهب المنظم لثروات الشعب العراقي – نفط العراق وكنوزه الحضارية وخزائنه وهياكل مؤسساته الصناعية والتقنية ومشاريعه وممتلكاته – وإن معظم هذه الثروات قد هُرِبَتْ إلى إيران وواشنطن وتل أبيب .

الرابعة – التنسيق الاستخباراتي العملياتي لافتعال حرب ( داعش ) لأغراض استخباراتية اشتركت في تأسيسها وحشدها وتسليحها وإمداداتها بالسلاح والأموال وتمكينها من السيطرة على مدن العراق ( الموصل ) نزولاً إلى ( الفلوجة ) .. أسفرت عن تدمير المدن العراقية بالكامل وتهجير سكانها وتركها مجرد ركام مع ضحاياها من المدنيين ، واستنزاف ثروات العراقيين من النفط على التسليح واستمرار زخم الحرب المفتعلة بما يصب في استراتيجية العبور الإيرانية من إيران عبر العراق إلى سوريا فحافات البحر المتوسط لإنشاء قواعد عسكرية واستثمارات وبالتالي تشغيل الشركات الإيرانية في ما يسمى إعمار سوريا .. ويظل شبح ( داعش ) مرفوعاً كلما تطلب الأمر تفعيل النشاطات الخارجية الإيرانية .

الخامسة –  جاءت مرحلة ( تعطيش ) العراق أرضاً وشعباً وزراعة وثروات حيوانية ، ما تبقى منها منذ الاحتلال الأمريكي – الإيراني الغاشم عام 2003 ، وهي المرحلة الأكثر خطورة من كل المراحل التي مرت على العراق .. فما الذي يحصل في هذه المرحلة التي بدأت بتاريخ 1 / 06 / 2018 ؟ :

هنالك ثلاث جهات مسببة لكارثة الـ( تعطيش ) وهي إيران وتركيا وحكومة العملاء في العراق .. كيف؟ :

أولاً –  تركيا ومشروع مياهها :

–  تدرك تركيا مسبقاً بأن شحة مياه دجلة والفرات ستتسبب بكارثة بيئية في العراق يتضرر منها الإنسان والحيوان والنبات والبيئة بحد ذاتها .. كما تدرك بأن حكومة بغداد هي حفنة من اللصوص عملاء إيران وإن النصح فيهم لا ينفع ، ومع ذلك فإن تركيا لم تكترث للنتائج الكارثية التي تنجم عن قرار منع وصول حصة العراق من المياه ، حتى لو تصحرت أرض السواد ونفقت ثرواتها الحيوانية ومات إنسان وادي الرافدين عطشاً ، يقول الإسلام ( كفو الأذى عن طريق المسلمين ) ولا تتسببوا في الإضرار بالإنسان وهو الذي خلقه الله بقدر .. فهل أن تركيا ترى في قرارها يستند إلى روح الإسلام إن أنه يعمل بدواعي مصلحة الدولة التركية .. فالذي نعرفه جيداً حين تتحرك تركيا صوب المنطقة سياسياً – استراتيجياً في العمق ، يتم ذلك عن طريق بوابة فلسطين ، لكي تحظى أنقرة بقبول ورضى العرب .. ولكن هذه السياسة كشفت عن أن شعارات مبادئ الإسلام تظل تظل بمعزلٍ عن مبادئ سياسات الدولة التركية الاستراتيجية ، ليس الآن ، إنما منذ التمدد التركي على أوربا والشرق الأوسط تحت راية الإسلام ولكن لأغراض تأسيس الامبراطورية العثمانية ، التي إندحرت أخيراً وتفككت ويراد إحيائها من جديد !! .

– تركيا تريد ، من خلال عمقها الاستراتيجي ، أن تبني نفسها على حساب بيئتها الإقليمية ، هذه البيئة غالباً ما تحتاجها تركيا في وقت أزماتها الاقتصادية والأمنية ، وهي تعير في الوقت ذاته أهمية كبرى لأمنها القومي حيال المسألة الكردية ونزاعاتها في بحر ( إيجه ) وجزره  وحتى البحر المتوسط حيث قبرص .. فلماذا تفرط ببيئتها العربية والصراعات قائمة وإن خمدت نيرانها ؟ ، ولماذا تزمع تركيا غلق كل خطوط الرجعة ؟ ، ولماذا تقطع شعرة معاوية وتغلق على نفسها وهي المحاصرة من كل صوب ؟! .

كان يفترض بها أن لا تؤذي شعب العراق في محنته وتدفع به إلى العطش رغم كل التبريرات الفنية والسياسية البراغماتي التي أطلقتها أنقرة .. العراق يعد العمق الاستراتيجي لتركيا بحكم الجوار ومبادئ حسن الجوار التي هتكها الاحتلال الأمريكي والإيراني .. لا أحد يتدخل في القرار التركي إذا كان صائباً ويحافظ على المصالح التركية ، ولكن ليس على حساب دول الجوار كحجب المياه لتدمير البيئة الإقليمية التي تحيط بتركيا .. ألم تدرك تركيا مبدأ الإرتدادات ، حين يعطش الشعب ينفجر انفجاراً عظيماً قد يحرق الأخضر واليابس ، وإن نتائج إرتداداته زخماً هائلاً يتدفق من النازحين إلى الأراضي التركية .. ولا أحد يستطيع حينئذٍ غلق الحدود ؟ .

–  المياه ورقة ضاغطة كما يعرفها العالم رافقت ( أنبوب السلام ) الذي ظلت ملفاته في خزانات العمق الاستراتيجي ، وحلت محلها ورقة شحة المياه وقطع المياه وحرب المياه .. وهذه الحروب هي في حقيقتها حروب إبادة جماعية تشمل الإنسان والحيوان والنبات والبيئة ، ما يزال الغرب ومراكز أبحاثه تلوح بها في كل حين .. فلماذا باشرت تركيا بإعلان الحرب على الشعب العراقي ؟ ، ولا أتحدث هنا عن حكومة الاحتلال العميلة ، التي هي سبب من أسباب التطاول التركي والإيراني على مقدرات العراق وشعب العراق .

–  ورقة المياه التركية ، تأتي للفت انتباه الغرب بأن تركيا ما تزال لاعباً إقليمياً يفيد مشاريعه  المستقبلية حول ما يسمى بـ( حروب المياه ) من أجل تخفيف الضغط عنها وهي تعيش أزمتها الاقتصادية والنقدية والأمنية .. ولكن ، هل يؤشر الفعل التركي إرتياحاً أمريكياً باعتباره محتلاً وله مصلحة حيوية في تسيير واقع مضطرب يهدد مصالحه في العراق ؟ ،  ولكن الواقع يشير إلى أن أمريكا تستثمر في مشروع سد ( لي صو ) التركي كلفة تقدر بـ(1.7) مليار وسبعمائة مليون دولار مع دول أوربية أخرى .. ولا يهمها إذا ما عطش العراق فهي من فتح أبواب الموت عليه منذ عام 1979 ولحد الآن .

ثانياً –  إيران ومشاريع تحويل مجرى أنهرها ، التي تصب في العراق ، نحو الأراضي الإيرانية خلافاً للطبيعة الجغرافية والقانونية ، التي تراعي الأنهر العابرة للحدود الدولية ، وكذا الأمر ينطبق على الفعل التركي ، لأن نهر دجلة والفرات هما نهران عابران للحدود الدولية وليسا نهران تركيان خالصان ، فهما ومنذ الأزل يجريان نحو العراق ، وإن حبسهما يعد خلافاً للطبيعة الجغرافية والقانونية والتاريخية .. وما ينطبق على تركيا ينسحب على إيران .. والمعروف أن من يحكم العراق طغمة دموية طائفية تعمل على وفق الاستراتيجية الإيرانية .. هذه الطغمة تعلن أنها مستقلة وتحترم جارها إيران وتقيم معها علاقات غير مسبوقة .. ولكن إيران لا تحترم العراق ولا شعبه ، فهي تعمل على إذلاله ونهبه وتسويق بضاعتها الفاسدة إليه وإضعافه وتدمير عناصر قوته ، فهي بهذا تحتقر حتى الطغمة التابعة لها وترغمها على الصمت وعدم الرد حتى بالاحتجاج المهين .. فتحويل مجرى الأنهر التي منابعها في إيران وبصورة تكاد تتزامن مع الفعل التركي الشنيع ، وحرمان العراق وشعب العراق من موارد الطبيعة المائية الأزلية ، له دلالات تؤكد النية المبيتة على تنفيذ جريمة الإبادة الجماعية ، ليس لشعب العراق فحسب ، بل لأرض العراق التي هي أرض السواد منذ عمق التاريخ ، وللثروات الحيوانية والزراعية والبيئية على حدٍ سواء .. هذه الأفعال تدخل ملف الجريمة ضد الإنسانية ، حين تتصحر الأرض ويموت الإنسان والحيوان والنبات .. وهنا ما الذي ستقوله حكومة العملاء للنظام الإيراني حول تصرفها الكارثي المشين هذا ؟ ، وكيف ستعالج الوضع الذي ينبئ بكارثة بيئية كبرى ؟ .

ثالثاً – حكومة العراق العميلة وكارثة منع وتحويل مياه الأنهر الدولية من الوصول إلى داخل أراضي العراق .. ما الذي فعلته على أرض الواقع ؟ ، وما الذي ستفعله على مستوى السياسة والدبلوماسية والاقتصاد ؟ ، لا شيء من هذا حصل أو سيحصل .. وما الذي ستفعله لتتلافي الوضع الكارثي في شحة المياه وعطش الأرض والإنسان والحيوان والنبات ؟ ، ما هي التدابير العملية لتتلافى مثل هذه الكوارث ؟ ، ليس هناك من حس إنساني حيال مصلحة العراق والعراقيين ، وليس هناك من تدابير وقائية تعتمدها كما اعتمدتها دول العالم التي تحترم نفسها وترعى مصالح شعوبها !! .

كل هذا يحدث في واد وحثالة الدنيا ما تزال تجمع وتطرح حسابات الفوز وشراء الذمم والبحث عن نفوذ وتقوية الارتباطات بالمحتل الغازي الأمريكي والإيراني ، دونما اكتراث بالحالة الراهنة ولا حتى بالمستقبل الذي سيحل بالعراق وشعبه !! .

الرد الأستباقي التركي التبريري يقول : بما معناه ( لقد قلنا لحكومة العراق منذ خمس أو عشر سنوات ونبهناها على ضرورة اتخاذ تدابير تخزين المياه  بسدود وخزانات بدلاً من هدر المياه إلى الخليج فضلاً عن التبخر والمياه الجوفية في بيئة صحراوية شديدة الحرارة .. ومع ذلك لم يصغ أحد لهذه التنبيهات ) .

نعم لا أحد يصغي ، لأن الجميع مشغول بالنهب والسلب والقتل والتهجير وتنفيذ خطط النظام الإيراني الخارجية في التوسع .. فليس لديهم الوقت الكافي للتفكير بالشعب ومستقبل الشعب العراقي .. من يتحمل مسؤولية كارثة العطش المهلك في العراق ؟ ، أمريكا هي المسؤولة عن هذه الكارثة ، وهي تعلم جيداً مسألة المياه لأنها دولة محتلة للعراق منذ عام 2003 ، وإيران هي الأخرى مسؤولة عن هذه الكارثة بصورة مركبة طالما أنها تشارك المحتل الغازي احتلاله العراق من خلال طغمتها السياسية ومليشياتها الطائفية المسلحة من جهة ، وطالما حولت مجرى أنهرها التي تصب في العراق إلى داخل الأراضي الإيرانية وتركت العراق في كارثة الإبادة .. أما تركيا ، فإن إبلاغها حكومة العملاء وطغمة إيران الحاكمة في بغداد ، ليس تبريراً للموت والإبادة ، فهي مسؤولية إنسانية وقانونية واعتبارية وتاريخية .. وهي تدرك وعلى إطلاع كامل بواقع حال الشعب العراقي ، الذي تسلطت عليه أمريكا وإيران وكل قوى الشر في العالم .. إن التحذيرات والتنبيهات التركية لم توجه لحكومة رشيدة ووطنية إنما لحكومة لصوص وعملاء لا يكترثون للشعب ولا لمستقبله أبداً .. فعلى أنقرة أن تدرك بعمق قرارها وتعيد ترتيب ما يمنع الكارثة الإنسانية في العراق .. فإن الشعوب لا تنسى والشعب التركي الصديق هو الآخر لا ينسى والحكومات حتماً إلى زوال أما الشعوب فهي الباقية ترصد حركة التاريخ ومواقف الدول !! .

2018/06/04

الكارثة المائية في العراق .. كيف هو المخرج

0