صراع الدولة العميقة و الدولةالعريقة في الجزائر

زهرة دريش

هناك منظومة جديدة ستحكم الجزائر لعقود ، بصبغة جديدة ، ووسط سياسي جديد ،  وبمسؤولين جدد على مختلف

المستويات..

لا يمكن أن يفهم الحراك في الجزائر ، مَن ينظر إليه على أنه حركة سطحية ، هدفها إجراء تغييرات على مستوى المطبخ السياسي و إلغاء مشروع العهدة الخامسة الحراك في الجزائر أعمق من كل ذلك و معاركه شرسة و على جبهات مختلفة و ما خفي منها أكثر من ما طفى..

بعيدا عن التساؤل حول من دعا أوّلا إلى هذا الحراك وخطط له ، يجب أن نفهم أنّ ( أي الحراك) ، يمثل مشروعين تصحيحييْن لجهتين مختلفتين ..

مشروع تصحيحي بكل ما تعنيه الكلمة .. مشروع وجود ومصير .. والغالب من هذين الجهتين ، هو من سيحكم الجزائر لجيل كامل على الأقل ..

لذلك، فإن الذي يظن أنّ الجهة الغالبة ستحسم الأمر ثم تلقي مقاليد الحكم إلى غيرها وتتراجع ، بعيد كل البعد عن فهم ما يحدث ..

وإذن ، فإن الحراك لم يكن مجرد عملية جراحية سطحية لإزالة أشخاص أو إبطال عهدة رئاسية ، بقدر ما كان صراعا بين جهتين ، يجب أن تنهي إحداهما نفوذ الأخرى ..

وهنا يجب أن نتحدث عن المنظومة ، لأنّ غلبة أي جهة من الجهتين في إزاحة الأخرى ، يعني قيام منظومة وسقوط أخرى ..

أما الجهتان المتصارعتان فهما ( الدولة العريقة) و(الدولة العميقة)

– أما الدولة العريقة ، فقد ظهرَ منها الجيش فقط في الواجهة ، بينما هي في الحقيقة منظومة ، فيها قيادة الجيش الحالية ، وفيها من مجموع الشعب الكثير من الذين رفعوا شعار الباديسية أو النوفمبرية و العروبيين .. ومن الناحية التاريخية ، كانت هذه الدولة العريقة الأضعف منذ الاستقلال ، إذ كان الوطنيون من المسؤولين ، يعيشون في الظل ، ويجترون مراراتهم في صمت .. ولم يكن يسمح لهم باتخاذ أي قرار نوفمبري باديسي عروبي اللهم إلا نادرا  ذرا للرماد على العيون حتى لا يثار ضد الدولة العميقة اتهام بالانسلاخ عن الكيان العربي .. ومن أمثلة ذلك وزير التربية الأسبق علي بن محمد … وفي مجال الإعلام كانت الدولة العريقة إلى غاية يوم 22 فيفري الحلقة الأضعف كل القنوات الخاصة كانت بيد اللوبي المالي الذي كان تحت إمرة الدولة العميقة ، لم يكن من السهل على الدولة العريقة المجابهة بادئ الأمر تحت وطأة تعتيم إعلامي كبير لولا أنها تفطنت لاستقطاب إعلاميين من النوفمبريين و العروبيين و بخاصة من أولائك الذين همشوا و أبعدوا و كانوا بشكل أو بآخر ضحايا للدولة العميقة .. نجحت المعركة الإعلامية و كسر حاجز التعتيم و  ازدادت قوتها بانضمام قنوات  كقناة الشروق و البلاد إلى صف الجيش ليلة سقوط بوتفليقة و لم ترفض المؤسسة العسكرية تودد هذه القنوات التي كانت بالأمس القريب ذراعا من أذرع الدولة العميقة بل رحبت بانضمامها و أمنتها ليتعزز جناح الجيش بترسانة إعلامية ..

أما الدولة العميقة ، فقد كانت الحاكم المطلق للجزائر تحت مظلة حماية فرنسية  ، بكل نفوذها المالي والاستخباراتي والعسكري والإعلامي و الثقافي…

لهذا السبب ، فإنّ مشروع الحراك عند كل جهة ، كان مشروعا استئصاليا للآخر .. يستهدف منظومة كاملة ، و ليس مجرد أشخاص ..

حين نقول منظومة ، فإننا نقصد توجهات ثقافية ، وتوجهات إعلامية ، وديكورا حزبيا ، ومؤسسات مالية ، وعلاقات خارجية .. وهو ما يعني أن سقوط الدولة العميقة مثلا ، يعني سقوط فرنسا وثقافة فرنسا ونفوذ فرنسا وسقوط مشروع فرنسا القاضي بطمس الهوية العربية و المبادئ النوفمبرية والتقزيم للغة العربية..

بينما يعني سقوط الدولة العريقة ، نهاية الصبغة النوفمبرية الباديسية ورجالها من البلاد ..

لذلك استغربت المؤسسة العسكرية و كثير من الشعب ، الموقف الغريب لأحزاب  الإسلام السياسي ، باصطفافه مع الدولة العميقة .. و لست أستغرب موقفهم فأنا مدركة تمام الإدراك أن مدرسة الإخوان أكثر من يتقن التلون بل و أبدعوا في التنظير لمفاهيم نفاق لم يعرفها العرب من قبل ، قلت أن موقف الأحزاب الإسلامية جعل مؤسسة الجيش ومنظومة الدولة العريقة ، تنظر إلى هذه الأحزاب والشخصيات الإسلامية على أنها ، جزء من المنظومة التي كانت تعمل على استئصالها بالتعاون مع الدولة العميقة ، وهو ما يعني أن هذه الأحزاب الإسلامية ، ستسقط بسقوط الدولة العميقة ، وستنشأ على أنقاضها أحزاب جديدة في إطار منظومة جديدة يفرضها الغالب ..وهذا منطق الصراع السياسي في الكون منذ أن وُجد ..

أقول إذا أن غاية كل جناح هو استئصال المنظومة كاملة . . لذلك نلاحظ ، أنّ الدولة العميقة في استعمالها للحراك ، لم تكن تهتم بسقوط بوتفليقة ، بل بالعكس ، تحوّل السعيد بوتفليقة في لحظة ما إلى حليف لها .. وكذلك أويحيى ..

كانت الدولة العميقة توجّه الحراك إلى استئصال منظومة (الدولة العريقة) .. بشعار لا لحكم العسكر – و هو شعار ولد ميتا إذ كسره الحراك الذي سيطر على الجانب الأكبر منه جناح المؤسسة العسكرية- .. وكان همها الأكبر هو إسقاط قيادة الجيش ، لأنها تدرك أن بسقوط قيادة الجيش يمكنها أن تبسط يدها على  المشهد، العسكر والمال والمخابرات والمؤسسات والانتخابات ..

واهم من يعتقد أن الصراع انتهى و انتصرت الدولة العريقة بإسقاط رؤوس العميقة توفيق و طرطاق و حتى و إن ألحق بهم نزار ،  الواقع أن المعركة مستمرة و الدولة العميقة زادت شراستها بعد قطع رؤوس قياداتها دون إهمال الدور الكبير الذي مارسته و تمارسه حاميتها جهاز المخابرات الفرنسية بل أرى شخصيا أن المعركة هذين اليومين مهمة جدا فبقايا الدولة العميقة و الاستخبارات الفرنسية كشفوا عن كل أوراقهم و يلعبون الكل على الكل من أجل إسقاط الدولة كلها ، دون أن تستثني من منظومة ( الدولة العريقة) شخصا أو جهة ، و ما كان كريم طابو تلميذ التوفيق ليصف الجيش بالمستعمر للجزائر و هو يعلم خطورة هذا التصريح لولا أنه يتخبط في متاهة التوهان  …

ليس إذا هذا مجرد حراك مقتصر على مسيرات و إن صنعت التميز و التحضر بل و كانت في جوهرها سندا قبل كل معركة من معارك الخفاء تأتي بعدها و من البديهي في ظل هذا الصراع الغير عادي أن تعتبر الدولة العريقة  ، كل من يصر على المشاركة في مشروع استئصالها عدوا لها ..وهو ما يعني أنّ كل الذين وقفوا هذا الموقف التاريخي المعادي للدولة العريقة سيدفعون الثمن ، وستصلهم فاتورة الحساب بطريقة أو بأخرى ..

الصراع عسكري بالدرجة الأولى :

و مظاهر الصراع العنيف ما خفي منها و ما ظهر  قائمة على الاصطفاف إما مع ضباط فرنسا  ( جنرالات الدم ومجرمي التسعينيات) أو مع  قيادة تحررية عربية نوفمبرية( جنرالات القيادة الحالية للجيش) الذين أخذوا عهدا على أن لا تسيل قطرة دم واحدة .

وحين تعَنْوِن مجلة الجيش مقالا لها بـ ( الجزائر بين أيد أمينة) ، مع إنكاري للخطإ اللغوي وهو ( أيدي) في مجلة ترفع اليوم شعار الدفاع عن الثوابت ومنها اللغة .. فإنّ ذلك يعني أمورا كثيرة ، منها أن أيدي الخصوم ليست أمينة .. ومن المستحيل آنذاك أن تستعيد الأيدي الأمينة الجزائر ، ثم تفرط فيها بعد عام أو خمسة أعوام ، لتسمح برجوعها إلى أيد غير أمينة ..

ولعل هذا ما يعطينا لمحة عن ملامح رئيس البلاد القادم ، لكي يتناسب والعهد الجديد ..

ومن أهم ملامحه أن يكون جزء من منظومة الدولة العريقة ، لا الدولة العميقة ..

إذ من المستحيل أنْ تقوم الدولة العريقة بكل هذا العمل الشاق لتطهير الدولة ، ثم تسمح بعد ذلك بمجيء رئيس لا مشكلة له مع فرنسا أو مع الدولة العميقة ..

صراع الدولة العميقة و الدولةالعريقة في الجزائر

0