قراءة تحت كثافة الدخان

حازم الراوي

كثيرة هي التحليلات المتضادة في رؤاها على سخونة ما يحدث في المنطقة ..وقد لا تكون قراءتنا صائبة، انما هي محاولة متواضعة..

فالعديد من الاخوة يجزمون بان من المحال نشوب حرب بين امريكا وايران لانهما متحالفان ضد امتنا العربية تحالفا استراتيجيا لا يمكن تفكيكه..فايران تمثل التحدي الاخطر لدول الخليج العربي بتهديداتها المعلنة والصارخة وبعدما سيطرت على العواصم العربية الاربع ..وامريكا هي المستفيد الاكبر من هذا التحدي في تصدير السلاح لدول الخليج واستيراد اموالهم!

وبالطبع فان الدخان الهائل الذي يعم المنطقة حاليا بعد التصعيد بالتصريحات والتهديدات والتحشدات العسكرية يصعب تبديده بالتحليل والاستنتاج والاجابة الحاسمة على السؤال الذي يملأ صفحات التواصل الاجتماعي..وهو ( هل ستقوم الحرب بين امريكا وايران)؟

وللاجابة اليسيرة على هذا السؤال دعونا نتعرف على مفهوم الحرب..

ولعل اقصر واسهل تعريف لها انها صراع بين ارادتين متناقضتين تستهدف كل منهما كسر شوكة وارادة الطرف الاخر واخضاعه واذعانه للشروط المفروضة في الهدف الاستراتيجي.

وللصراع اوجه وآليات ووسائل واساليب مختلفة..فقد يكون (عسكريا)مدعوما بحصار اقتصادي وعزل سياسي وضغط اعلامي مع حرب نفسية..

او ان يكون (اقتصاديا) مدعوما بحشد عسكري لتامين القوة الرادعة وعزل سياسي وضغط اعلامي وحرب نفسية..

واذا ما اعتمدنا هذا التعريف فان الحرب بين امريكا وايران قد ابتدأت بالفعل في الوجه الثاني من الصراع لفرض الادارة الامريكية ارادتها على الطرف الايراني في الحصار الخانق بتصفير تصدير النفط وتسارع الحشود العسكرية لتحقيق مصداقية مبدأ الردع..كل ذلك من أجل تحقيق الشروط الاثنتي عشر والتي ان استجابت لها ايران فقدت مشروعها بالكامل ، بل فقدت قدرتها كدولة ، فلا برنامج نووي ولا صاروخي ولا توسعي ولا حرس ثوري بعد تصنيفه كمنظمة ارهاببة.

وان اصرت على عدم الاستجابة فان الطامة اكبر بانهيار العملة وارتفاع مستوى التضخم وازدياد البطالة وارتفاع الصوت المخيف للشارع الايراني..

فأليست هذه هي الحرب بعينها.. أم ان القتال بالمدفع والطائرة والصاروخ هو الشكل الوحيد للصراع؟

ان شخصية الرئيس التاجر ترمب قد فرضت هذا النمط من الحروب ارتكازا على الخنق الاقتصادي باسناد صقوره المحيطين به الذين يدعمون العمل العسكري الاضافي ويسعون لتحقيقه باعتباره النموذج الاعنف والأسرع..الا ان ترمب يحاول كسب الراي العام الامريكي اولا قبل الاستجابة للمتشدد بولتون وغيره في تنفيذ آراءهم..ولذلك نجد هذا التكاسل الامريكي في عدم الرد على الاستفزازات الايرانية سواء في الفجيرة او ارامكو او السفارة الامريكية ببغداد او الصاروخ الحوثي فوق جدة..بالرغم من التصريح الواضح بان الرد العسكري الامريكي سيكون بالعمق الايراني ان تحرشت ايران او ذيولها بالقوات الامريكية او حلفائها..وهنا يكمن هذا التباطؤ حتى يعقد الكونغرس بشقيه النواب والشيوخ لاستعراض هذه التحديات وتلك الاخرى الموثقة بالصورة والصوت من الاقمار الاصطناعية..

وكذلك فان عرض التفاوض على الطرف الايراني يدخل ضمن هذا السياق ، علما ان الاستخبارات المركزية الامريكية تعلم ان فتوى خميني باعتبار امريكا الشيطان الاكبر مازالت عالقة عقديا في عقول الساسة الايرانيين..وقد تحتاج الى وقت وتوليف جديد كي يوصولوا رسالتهم الراضخة عبر وزير خارجية عمان او الرئيس السويسري..

كما ان الادارة الامريكية بتكاسلها بعدم الرد العسكري فهي تستقطب التأييد الاوربي تدريحيا حتى الوصول الى اخر المطاف بالتحلل من الاتفاق النووي.

واخيرا فان كافة التصريحات والتهديدات والسلوكيات التي يقوم بها ترمب مسجلة بالدقة من قبل دهاقنة الحزب الديمقراطي الذين سيعرضونها في تلك المناظرات والمناكفات التي تسبق الانتخابات الامريكية في العام القادم ان لم يحققها ترمب ، والذي لا يمكن ان يفرط بالدورة الثانية لرئاسة الولايات المتحدة..

اذا فانها الحرب وايران الان في اسوء حال.. ولعل المثل الشعبي العراقي ينطبق عليها ، ذلك الذي يشير الى الامرأة التي وعدها السيد علي بالزواح منها ان تطلقت من زوجها..ثم اخلف وعده..فخسرت كل شيء

قراءة تحت كثافة الدخان

0