مـــؤامـرة 67  الـــذكـرى والـــــذكريــات 

الاستاذ محمد خليفة –

في الستينيات كانت علاقة الاردن و مصر متوترة جدا على الدوام بسبب تناقض الاتجاهين السياسيين للنظامين . ولكن ذلك لم يمنع الملك حسين رحمه

الله من الاتصال بالقاهرة فجأة في أواخر شهر ايار / مايو 1967 وإبلاغها بأنه في طريقه اليهم , ولا يريد إذاعة الخبر في الاعلام قبل أن تتم الزيارة . وهو لم يصطحب أحدا من المسؤولين الاردنيين معه , وقاد طائرته بنفسه .

وصل الملك واستقبله جمال عبد الناصر في المطار ومازحه : لا أحد يعلم بزيارتك , يعني إذا خطفناك الآن واخفيناك فلن يسألنا أحد ..

 ضحك الملك وقال للرئيس ناصر : لقد حسبت كل الاحتمالات , بما فيها هذا الاحتمال , ومع ذلك فقد حزمت أمري وجئت اليكم سرا .

 فرد الرئيس : إذن لا بد أن هناك أمرا شديد الأهمية والخطورة .

قال الملك : نعم يا سيادة الرئيس , ولا يحتمل التأخير .

اصطحب ناصر ضيفه الى قصر القبة فورا وبدآ محادثاتهما بحضور عدد محدود جدا من المسؤولين , يتقدمهم عبد المنعم رياض الذي كان صلة الوصل بين الاثنين ورتب للزيارة , وحضرها هيكل . وكان العاهل الاردني وحيدا .

قال الملك : يا سيادة الرئيس أنت تعرفني , وتعرف مدى وعمق اتصالاتي بالعواصم الغربية واطلاعي على أسرارها المتعلقة بالشرق الاوسط .

قال ناصر ضاحكا : نعم .. وأعرف أيضا اتصالاتك باسرائيل ! .

ابتسم الملك وواصل كلامه : لقد توصلت وتأكدت يا سيدي أن حكام دمشق مرتبطون بأعدائنا , وبينهم وبين اسرائيل اتصالات مباشرة , ووصلتني معلومات كثيرة عن تعاونهما ضدكم يا سيدي . وكل ما يجري من تهييج وتوتير للموقف على الجبهة السورية – الاسرائيلية هو فخ منصوب لكم أنتم  .. ولا أعرف كيف انطلى عليكم المقلب وأنتم على درجة عالية من الذكاء والدراية.

وأضاف الملك الذي وصفه محمد حسنين هيكل بأنه كان في أقصى درجات القلق والتوتر والالم : يا سيدي الرئيس كل ما يجري بين دمشق وتل ابيب هو مؤامرة عليكم لجركم الى فخ الحرب وضرب مصر .. وأنا قادم اليكم لأحذركم من السقوط في الفخ . وإذا كنتم مصممين على المضي في طريق المواجهة فإنني أضع نفسي في تصرفكم , ومستعد لتوقيع اتفاق للدفاع المشترك فورا , وأضع قواتنا تحت قيادتكم المباشرة  .

نظر الرئيس ناصر الى وجه الملك واستنتج بفراسته النفاذة مدى الخوف والصدق في ملامحه , وقال له بعد فترة صمت ثقيل : أخشى أن يكون الوقت قد تأخر على إمكانية التراجع . وأخشى أننا قد انسقنا في اللعبة .. ولم يعد بإمكاننا سوى العمل لتفادي مخططات العدو .

بعد اللقاء جرى التوقيع على اتفاق للدفاع المشترك وتولى الفريق رياض قيادة الجبهة الاردنية , وعاد الملك الى عمان في نفس اليوم . وكان خبر الزيارة قد  تسرب وأذيع عبر العالم .

وكما توقع ناصر فقد تداعت التطورات باتجاه الحرب , لأن اسرائيل بيتت النية واتخذت القرار بالاتفاق مع واشنطن للتخلص من ناصر .

 وفي المؤتمر الصحافي الشهير بحضور قيادة الجيش المصري , قال ناصر لضباطه : معلوماتي وتقديراتي تشير الى أن اسرائيل ستبدأ الهجوم يوم 5 يونيو وعليكم الاستعداد للحرب .

كان رحمه الله يعرف الموعد بدقة , من مصادر استخبارية مصرية مزروعة في قلب تل أبيب ( الجاسوس رفعت الجمال , أو رأفت الهجان ) , ولكن المؤامرة الدولية  اكتملت بتكبيل السوفيات لأيدي ناصر بطلبهم الحازم منه : عليكم ألا تبدأوا الحرب , وهو نفس ما طلبه الرئيس الفرنسي ديغول أيضا .

وعندما بدأت الحرب على الجبهة المصرية صباح الاثنين 5 يونيو , اشتعلت الجبهتان المصرية والاردنية , بينما بقيت الجبهة السورية هادئة , إلا أغاني الحرب المثيرة عبر راديو دمشق , وتصريحات الزمرة الحاكمة عن المؤامرة التي زعموا انها تستهدفهم هم .

وبعد خمسة ايام أعلن حافظ الاسد في البيان العسكري الشهير رقم 66 سقوط الجولان وأمر الجيش السوري بالانسحاب كيفيا منها , بدون أن يكون هناك هجوم حقيقي من العدو , ولا قتال .. !

وكشفت المعلومات فيما بعد أن الفرنسيين نقلوا رسالة من اسرائيل لحكام دمشق يوم 8 يونيو مفادها : انسحبوا من الجولان بدون قتال وإلا اخذناها بالقوة , وتابعنا الطريق الى دمشق , واسقطنا النظام أيضا .

 فقرر الاسد وزمرته تسليم الجولان مقابل بقاء النظام .

وهذا ما حصل .

وبعد ثلاث سنوات اطاح الاسد برفاقه واستفرد بالسلطة وبسورية بمباركة غربية واضحة , مكافأة له على تسليم الجولان !

مـــؤامـرة 67  الـــذكـرى والـــــذكريــات 

0