القيادة القومية في بيان لها في ذكرى اغتصاب فلسطين

 

الاحتلال لن يسقط هويتها القومية وستبقى القدس عاصمة تاريخية لها

أكدت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، أن فلسطين عربية بتاريخها وشعبها، ووقوعها تحت الاحتلال الصهيوني لن يسقط هويتها القومية، وستبقى القدس عاصمة تاريخية لها، والاحتلال مهما طال فآيل إلى الزوال. جاء ذلك في بيان للقيادة القومية للحزب في الذكرى الثانية والسبعين لإقامة الحركة الصهيونية كيانها الاستيطاني على أرض فلسطين. وفيما يلي نص البيان:

اثنتان وسبعون سنة مرت على اغتصاب فلسطين، يوم أقامت الحركة الصهيونية كيانها الاستيطاني على أرض أولى القبلتين بأقصاها وقيامتها وبتغطية ودعم من مراكز التقرير الدولي، التي منحت “شرعية” دولاتية لكيان أنشئ بقرار دولي، على حساب الحق التاريخي لشعب فلسطين الذي اكتسب هويته الوطنية من هوية الأرض التي يعيش عليها منذ تشكل الاجتماع السياسي الإنساني في المشرق العربي.

إن يوم الخامس عشر من أيار، الذي تعتبره الحركة الصهيونية يوم إعلان استقلال دولة “إسرائيل”، هو بالنسبة لشعب فلسطين والأمة العربية، يوم الإعلان الرسمي لبدء الاحتلال الصهيوني، الذي يعود بمقدماته إلى وعد نابليون بونابرت في بداية القرن التاسع عشر، ومقررات مؤتمر بازل على مشارف القرن العشرين، وتوصيات مؤتمر كامبل بانرمان ١٩٠٧م، وما أسفرت عنه اتفاقية سايكس بيكو التي خرجت فيه فلسطين من حصة النفوذ البريطاني في عام ١٩١٦، والتي لم يمض عام عليها، حتى أعلن بلفور وعده بمنح فلسطين وطناً قومياً لليهود.

إن اغتصاب فلسطين، الذي يعود لنيف وسبعة عقود، لم يكن ليستهدفها لذاتها وحسب، وهي التي تتميز بموقعها الجغرافي ورمزيتها التاريخية، بل جاء استهدافها من ضمن استراتيجية القوى الاستعمارية وخاصة المواقع المقررة بها ضد الأمة العربية التي تحمل في طيات تكوينها البنيوي، كل عناصر التوحد والتقدم في كل مجالات الحياة الإنسانية والمجتمعية. ولهذا كان المشروع الصهيوني، يحظى بالاحتضان الكامل من النظام الاستعماري قبل قرن من الزمن، مروراً بمحطة إقامة دولة الاغتصاب في ١٥ أيار ١٩٤٨، ووصولاً لهذه الأيام التي يتولى فيها الموقع الأميركي دور الراعي والحامي الدولي لهذا الكيان، وآخر مواقفه الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، وبيهودية الدولة، وبضم الجولان السوري المحتل إلى أراضي فلسطين المحتلة، وتبني السياسة الاستيطانية، من ضمن الرؤية التي تقدمها أميركا كمشروع حل لما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، وهي التسمية الدولية للصراع العربي الصهيوني.

وعليه فإن صفقة القرن التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية لتسويقها، إنما ارتكزت على العناصر التي انطوى عليها المشروع الصهيوني بإقامة دولة “إسرائيل” التوراتية الكبرى المزعومة، والتي تمتد ما بين الفرات والنيل. وانطلاقاً من هذا العلاقة العضوية لقوى المشروع الصهيو -استعماري، تمارس “إسرائيل”، بما هي دولة قائمة بالاحتلال سياسة القضم والهضم التدريجي لأرض فلسطين التاريخية، وتعمل على تهويد وصهينة كل معالم الحياة فيها َ، والتي توجت بإعلان يهودية الدولة، والتي تجعلها تفصح عن طبيعتها باعتبارها دولة” ابارتهايد” تقوم في تكوينها على أساس الفصل العنصري.

إن حزبنا، حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي وضع الصراع مع العدو الصهيوني في إطار بعده القومي ربط بين هدفي الوحدة والتحرير انطلاقاً من كون مشروع تحرير فلسطين هو مشروع قومي بامتياز، وكل من يرمي شباكه في البحر الفلسطيني للصيد فيه من خارج قوى المشروع القومي، إنما هو للاستثمار السياسي، نظراً للأهمية التي تبوؤها القضية الفلسطينية في الوجدان العربي على تعددية الانتماءات الإيمانية المعتقدية للشعب العربي.

وعليه فإن القيادة القومية للحزب في ذكرى اغتصاب فلسطين تعيد التأكيد على ما يلي:

أولاً: إن الصراع الذي تخوضه الأمة العربية ضد العدو الصهيوني بكل شبكة تحالفاته الدولية والإقليمية هو صراع وجود، يمتد إلى عمق التاريخ العربي، ويتعلق بمستقبل الأمة ورسالتها الحضارية إلى الإنسانية، وان العمق القومي هو المدى الحيوي للنضال الوطني الفلسطيني الذي انطلق بتعبيرات مختلفة منذ بدأت بالظهور مقدمات المشروع الصهيوني بالاستيلاء على الأرض الفلسطينية. وبالتالي فإن مهمة تحرير فلسطين وفي ضوء ما تنطوي عليه من أبعاد، ليست مهمة وطنية فلسطينية وحسب، بل هي مهمة الأمة العربية بقواها الثورية التحررية وطليعتها الثورة الفلسطينية، التي تقوى بقوة حاضنتها القومية وتضعف بضعف هذه الحاضنة. لهذا تركز الاستهداف المعادي على احتواء وضرب مراكز القوة في الأمة العربية الذي بلغ ذروته مع غزو العراق واحتلاله، وهو الذي كان يشكل الحضن القومي الدافئ لثورة فلسطين، ومصدر الإسناد المادي والمعنوي لدعم جماهيرها، حتى في أقصى ظروف الحصار الظالم واللامشروع الذي فرض عليه.

ثانياً: إن الإمبريالية الأميركية التي طرحت صفقة القرن كمشروع حل، إنما طرحته من ضمن استراتيجيتها لإعادة تشكيل المنطقة على أساس نظام إقليمي، تكون “إسرائيل” وإيران وتركيا من أركانه الأساسية، ولهذا فإن هذه الصفقة بما تنطوي عليه من مضمون، إنما تشكل تصفية موصوفة للقضية الفلسطينية، مستفيدة من النتائج التي أفرزها التغول الإيراني في العمق العربي الذي يمعن تدميراً وتخريباً في بنى المجتمعات العربية، وخاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتدخله في الشؤون الفلسطينية، حيث يؤجج الصراع الداخلي ويضع العراقيل أمام إنتاج وحدة وطنية فعلية.

إن النظام الإيراني الذي حقق ما لم يستطع العدو الصهيوني تحقيقه باختراق النسيج الشعبي العربي، وتطييف حياته المجتمعية، ورفع منسوب الخطاب المذهبي والطائفي في محاولة لإبراز هويات مذهبية على حساب الهويات الوطنية في إطار المكون الوطني الواحد، أدى دوراً متكاملاً بالنتائج مع الدور الصهيوني وبالاتكاء على ما أفرزه الدور التركي في أكثر من قطر عربي، احتلالاً وتدخلاً سياسياً وأمنياً، حيث ساهمت هذه الأدوار في ظل غياب المركز القومي العربي الجاذب بعد احتواء مصر وضرب العراق من إضعاف عناصر المناعة العربية، التي توظف مناخاتها لترويج التطبيع مع العدو الذي تجاوز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع بعض الأنظمة العربية إلى التطبيع الثقافي واختراق المزاج الشعبي، وهذا ما كان ليحصل وينكشف ظهر فلسطين وثورته، لو لم تنفذ القوى المعادية للأمة فعلها العدواني والتخريبي في المواقع الخلفية لفلسطين بدءاً من العراق الذي أدى احتلاله إلى انكشاف الأمن القومي برمته.

 ثالثاً: إن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وفي ذكرى اغتصاب فلسطين، وفي ضوء ما تتعرض له قضية فلسطين من مؤامرات متواصلة الفصول، وآخرها صفقة القرن والاستثمار السياسي الرخيص بها من قبل دول الإقليم وخاصة النظام الإيراني، تدعو إلى استحضار الموقف القومي الأصيل الذي يرى في الصراع مع العدو الصهيوني عبر كل المحطات التي عبرها وسيعبرها، صراعاً بين مشروعين متناقضين حد التناقض الوجودي ،وهذا ما يتطلب استنفار طاقات الأمة وقدراتها وتوظيفها في سياق المشروع التحرري الذي تشكل ثورة فلسطين طليعته التي تتخندق في المواقع الأمامية بالاستناد إلى الظهير القومي وتحكمها مقولة القائد المؤسس فلسطين طريق الوحدة، والوحدة طريق فلسطين. إن هذا يتطلب الارتقاء بالعلاقات الوطنية الفلسطينية إلى مستوى تحقيق الوحدة الفعلية على قاعدة برنامج مقاوم، يرتكز على ثوابت الموقف الوطني الذي تفرضه معطيات الساحة الوطنية والواقع الفلسطيني في الداخل الفلسطيني كما واقع النزوح، وانطلاقاً من وعي وطني أن الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة تحرر وطني حيث تتقدم الأهداف الأساسية على الثانوية، ويكون العمل التكتيكي والمرحلي في خدمة الاستراتيجي وليس العكس، ويغلب التناقض الرئيسي مع العدو والقوى المتحالفة معه سياسياً وموضوعياً على التناقض الثانوي.

إن الإجماع الوطني الفلسطيني على رفض صفقة القرن، يوفر أرضية يؤسس عليها، والبناء بالاستناد إلى معطياتها، لتجاوز التباينات والخلافات التي تؤثر سلباً على الواقع الشعبي، وهي التي يتم النفاذ منها لتوسيع الشرخ الداخلي وإعاقة عملية تموضع كافة قوى المقاومة تحت مظلة شرعية وطنية، ما تزال منظمة التحرير الفلسطينية هي الاطار الأكثر شرعية ومشروعية وشمولية للتمثيل الوطني الفلسطيني والتي يجب الحفاظ عليها وتطوير مؤسساتها كي تستجيب لمتطلبات الحاجة الوطنية والشعبية الفلسطينية، وباعتبارها المنصة التي يطل من خلالها شعب فلسطين على امته والعالم والوضع الدولي.

رابعاً: إن الرفض الوطني الفلسطيني لصفقة القرن وعلى أهمية ذلك لا يكفي لوحده لإسقاطها والحد من تنفيذ بنودها، والتي بدأها العدو من طرف واحد عبر السيطرة على غور الأردن واعتباره حدوداً لكيانه، بل يتطلب موقفاً عربياً رافضاً لها، وان يترجم هذا الرفض بمساعدة قوى المقاومة على توحيد قواها وبرنامجها وتقديم الدعم المادي ليس منةً، بل واجباً، وان يقرن بموقف رافض ومقاوم للتطبيع على مختلف أشكاله.

خامساً: إن ميزان القوى الراهن بعناصره المادية ليس في مصلحة المقاومة، ولذلك فإن تعديل ميزان القوى لمصلحة الثورة، هو بالاعتماد على عنصر القوة الفعال في معادلة النضال التحرري، وهو الكفاح الشعبي. وهذه مقولة أكد عليها الحزب منذ البدايات الأولى، عندما أطلق شعار فلسطين، لن تحررها الحكومات وإنما الكفاح الشعبي المسلح. وعليه يجب إعادة الاعتبار لهذا الشعار وتفعيل النضال الجماهيري، المسلح منه والشعبي بكل تعبيراته، وهنا تكتسب أهمية الانتفاضات الشعبية في فلسطين محتلة، ما احتل منها قبل وأثناء إعلان الحركة الصهيونية لدولتها، وما احتل منها بعد ذلك.

إن اعتبار ارض فلسطين، كل فلسطين، أرضاً محتلة، يعطي بعداً وطنياً للنضال الوطني، ويجعل نضال الشعب الفلسطيني يتكامل في فعالياته، خاصة وانه ينطلق من المواقع التي يعتبرها العدو الصهيوني خطوطاً خلفية له. فإقدام العدو على إعلان يهودية الدولة، يضع “إسرائيل” ضمن تصنيف الدول العنصرية، أي دول” الابارتهايد”، والنضال ضد العنصرية يسمع صداه بقوة لدى الرأي العام العالمي وعلى قاعدة “الترميز المعاكس”. وهل هناك أكثر مشروعية من مقاومة النظام العنصري، وهو الأكثر صفاقة في انتهاكه لحقوق الإنسان، وهو حال “إسرائيل”، التي تمارس سياسة الفصل العنصري مع العرب في فلسطين المحتلة.

لقد جسد يوم الأرض، يوماً مجيداً في تاريخ النضال الشعبي الفلسطيني وأصبح يوماً وطنياً يحتفى به منذ ٣٠ آذار عام ١٩٧٦، وباستحضاره في يوميات النضال الفلسطيني يتكامل ويتفاعل نضال شعب فلسطين من داخلها ومن مداخلها، وتستعيد ارض فلسطين هويتها الوطنية من خلال نضال شعبها حيثما وجد وحيثما تواجد.

في هذه الذكرى التي تندرج في القاموس العربي تحت اسم النكبة، هي ذكرى سوداء في تاريخ المجتمع الدولي الذي لا يقيم اعتباراً لحقوق الإنسان ولحق الشعوب في تقرير مصيرها، والذي منح اعترافاً بشرعية الاغتصاب لأرض شعب طرد واخرج منها، في افظع عملية “ترانسفير” في التاريخ الحديث، والتي تتوالى مشهديات مجازرها التي لا يوازيها بشاعة وانتهاكاً لحقوق الإنسان، سوى ما تعرض له شعب العراق من عدوان أميركي وإيراني، وتدمير كامل لمدنه وتهجير أهله، وما تعرض له شعب سوريا من تدمير حواضرها المدنية وتهجير سكانها وفرض تغيير في التركيب الديموغرافي بفعلٍ إيراني موصوف، وغض نظرٍ وتواطؤٍ دوليين يرتقيان حد التآمر بأبشع صوره.

إن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، التي تبقى تنظر إلى هذا الحدث باعتباره وصمة عارٍ، ألصقت على واجهة النظام الدولي الذي اشرف وأدار عملية اغتصاب فلسطين، ولا توفر النظام الرسمي العربي الذي كان سائداً آنذاك من تخاذله ،ولا بعضه الذي يستمر حالياً في تآمره وتنصله من تحمل مسؤوليته القومية تجاه شعب فلسطين وهو يهرول اليوم نحو التطبيع مع العدو ويستجيب للإملاءات الأميركية في هذا المجال، تدعو إلى إبقاء سقف الموقف الفلسطيني الرافض لصفقة القرن عالياً، والى رفض ومقاومة كل أشكال التطبيع، والرد على كل ما يحاك ضد القضية من تآمرٍ عبر تصعيد النضال بكل الإمكانات المتاحة.

وهي إذ توجه التحية لشعب فلسطين وثورته وانتفاضته وشهدائه، توكد بان الحزب الذي حدد مركزيتها في صلب قضايا الأمة، سيبقى مناضلوه طليعيون في تصدرهم الصفوف دفاعاً عن فلسطين باعتبارها قضية حقٍ قومي بقدر ماهي قضية حق وطني فلسطيني.

في هذه الذكرى الأليمة بوقعها ونتائجها على الأمة العربية، يجدد البعثيون عهدهم النضالي، عهد الوفاء لفلسطين التي كانت عربية بهويتها القومية وستبقى، ولن يغير من واقعها وموقعها، التآمر عليها والاستثمار السياسي الرخيص بقضيتها العادلة والمحقة والمشروعة.

وفي هذه المناسبة، التي سعت قوى التحالف الصهيو -الاستعماري الاستناد إليها تزوير وتشويه تاريخ فلسطين، يعيد الحزب التأكيد بان “إسرائيل”، هي دولة وظيفة أنشئت بقرار دولي في ظل موازين القوى التي كانت سائدة عام ١٩٤٨، وسوف تزول بزوال وظيفتها واختلال موازين القوى التي أفرزتها والتي ستتغير بتغير معطياتها.

في هذ المناسبة ذات الوقع القوي الضاغط نفسياً وسياسياً ووطنياً وقومياً على الأمة، تؤكد القيادة القومية للحزب أن هوية فلسطين هي ثابت قومي وهو الثابت التاريخي الذي يستمد قوته من شرعيته التي تشكلت عبر تواصل المراحل التاريخية، ومن تمسك الشعب بأرضه التي رويت بدماء الشهداء، والتي تحتضن مقدساته وكل معالم حضارته الإنسانية ولن تستطيع قوى الظلم والعدوان أن تسقط الحقائق التاريخية مهما بلغ طغيانها وجبروتها، وطالما بقي أصحاب الحق التاريخي متمسكين بحقهم غير مفرطين به، مهما قست الظروف واشتدت الضغوطات. فالصمود هو المطلوب في صراع الإرادات، وإرادة الشعوب هي المنتصرة دائماً طال الزمن أو قصر.

عاشت فلسطين حرة عربية وعاصمتها القدس بكل ما تنطوي عليه من قدسية ورمزية دينية وتاريخية، وعاش نضال جماهيرها، والمجد والخلود لشهدائها والحرية لأسراها ومعتقليها، ولتسقط كل المحاولات والمشاريع التصفوية التي تستهدفها بحاضرها وبتاريخها.

 القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

 في ١3/٥/٢٠٢٠

القيادة القومية في بيان لها في ذكرى اغتصاب فلسطين

0