توظيف الدين في خدمة الإنسان وليس في خدمة السياسيين

توظيف الدين في خدمة الإنسان

وليس في خدمة السياسيين

في 1/ 7/ 2020  حسن خليل غريب

منذ تكوين الإنسان لم تدلّ الأبحاث على أن التركيب العضوي للإنسان القديم مختلف عن التركيب العضوي للإنسان في حالته الحاضرة. فلكل عضو الوظيفة ذاتها. وحتى تركيب الدماغ العضوي، الذي يعتبره العلم بمثابة القائم بوظائف التفكير غير المنظورة، هو ذاته عند الإنسان منذ العصر الأول للتكوين حتى الآن.

ولذلك نعتبر ثنائية الجسد والروح فطرة لا تزال ترافق الإنسان منذ بداية تكوينه وصولاً إلى عصر السوبر تكنولوجيا. وإن هذه الثنائية لا تنفصل عن وحدة التركيب العضوي والنفسي في الإنسان، ولكل طرف من طرفيْها دور يكمِّل الواحد منهما الآخر، إذا فقد طرف وظيفته لخلل ما يتحول الإنسان إلى شبه إنسان، وكلما ازداد الخلل يتحول الإنسان إلى  لا إنسان.

والغاية من تعريف هذا المفهوم الوصول إلى تحديد قانون على أساسه يمكننا إيضاح موقفنا من أهمية ثنائية الجسد والروح في الإنسان. والذي على أساسه يمهِّد الطريق أمام تحديد وظائف كل منهما، وكذلك تحديد دور من هو المسؤول عن تنميتهما أو التقصير فيها، على شرط أن لا تخل التفصيلات الشخصية في وحدة تكوين الإنسان على هذا الشكل.

وإذا كان الجسد بحاجة إلى من يُنتج الغذاء ليستهلكه ليستمر في البقاء، فإن الروح بحاحة إلى تنمية قدراتها لتتوازن فيه مع طرفها الآخر. وإذا كنا سنتناول مسألة فكرة الدين في هذه الثنائية، نعتبر أن من أهم المهارات التنموية التي على المؤسسات الدينية أن تُعنى بها تأتي تنمية القدرة على مواجهة عوامل الخوف من الأقوى الخفي في المقدمة منها. وإذا كان اتقاء خطر العوامل المادية يتطلب مهارات جسدية لأنها عوامل منظورة. فإن مواجهة العوامل غير المنظورة، كأسئلة المصير بعد الموت، تتطلَّب عوامل عقلية ونفسية غير منظورة.

ما يعنينا من معالجة موضوع أحد طرفيْ ثنائية الجسد والروح، هو العمل على فهم العوامل والآليات التي تساعد على استشراف رؤية لمواجهة تعقيدات شؤون الروح. الرؤية التي لا تخرج عن الفرضيات العقلية لأنها ليست منظورة. وعن هذا ومن خلال الإطلالة على تاريخية تطورها، نرى أن جوهر مفهومها لم يخضع للتغيير لأن الأسئلة والهواجس لا تزال هي ذاتها، بل إن ما خضع للتغيير هو وسائل مواجهتها.

بفطرة الإنسان، لجأ إلى مواجهتها بداية، بإظهار الخوف والجزع. وتطورت لاحقاً إلى وجود أفراد يعالجونها بالتمائم والتعاويذ، وهو ما أسَّس لنشأة طبقة (السحرة)، الذين سخَّروا قدراتهم المتميزة في محيطهم المجتمعي، من أجل معالجة مصادر الخوف من المجهول. وبين هذه أو تلك، كان نفوذ السحرة يزداد بازدياد أعداد من كانوا يطلبون الإجابات على مخاوفهم، ويتبين من نتائج البحوث الأنتربولوجيا أن ظاهرة السَحَرَة عامة بين شتى المجتمعات. ومن هذه البقعة نبتت الظاهرة الدينية، أي الظاهرة التي تُعنى بشؤون الظواهر الغيبية، أي التي تُعنى بشأن ما هو غير منظور في حياة الإنسان. وهذه المرحلة شهدت تطوراً تدريجياً، ابتدأ من ابتكار فكرة الطوطم، الذي يجسِّد فكرة الرمز الذي يدرأ الخطر. وتضخَّمت وسائل وأساليب التمائم التي كان السحرة يبتكرونها ليعالجوا فيها مسائل الخوف وتفسير الأسئلة. فانتشرت حرفة صناعة الطوطم، فكانت عبادة الأصنام هي مرحلة البداية أو المرحلة البدائية في الظاهرة الدينية.

شكَّلت المرحلة البدائية للظاهرة الدينية أساساً لبناء المؤسسات التي تهتم بشؤون معالجة الغيبيات في حياة البشر. وكانت المؤسسات الدينية تزداد عدداً كلما اتسعت أعداد المتسائلين عن المظاهر الخفية. وكانت تزداد أهميتها، فتكتسب شرعية وجودها، والحاجة إليها، من قبول الإنسان، أفراداً وجماعات لها، واللهاث وراء صانعيها لحل مشاكلهم النفسية وهواجسهم.

وبتطور المجتمعات عددياً ونوعياً كانت تزداد الحاجة إلى وجود من يسوس شؤون توفير رزقها المادي ويعمل على تنظيمها من جهة، وتوفير عوامل اطمئنانها الروحي والنفسي من جهة أخرى. ومن هذه النقطة سجَّل تاريخ التطور المعرفي عند البشر الحاجة إلى وجود قاعدتين أساسيتين لتنظيم شؤون المجتمعات، وهاتان القاعدتان هما: وجود إدارة سياسية تهتم بتنمية وإدارة الشأن المادي للإنسان، وإدارة روحية تهتم بتنمية الشأن الروحي.

وكان الجامع المشترك بين البشر هو توفير حاجات الجسد المادية، وتوفير عوامل الاطمئنان النفسي. لا يغني أحدهما عن الآخر. بل يرفد أحدهما الآخر. وإذا كانت السياسة ورجالها يهتمون بشؤون الجسد لتوفير حاجاته، فإن الدين ورجاله يهتمون بشؤون النفس لتوفير عوامل طمأنيتها. ولهذا مثَّل وجود الثنائي، السياسي والديني، حاجة للبشر. ومنذ تلك اللحظة أصبح تحالفهما قانوناً يتحكم بمصير المجتمعات البشرية. والغاية من وجودهما قيادة المجتمعات إلى شاطئ الأمان الجسدي والروحي، وذلك بتعميم مبادئ القيم العليا في الثقافة والممارسة.

ولأن المؤسستين ابتعدتا عن ممارسة وظيفتيهما في تطبيق القيم العليا، وأصبحتا أسيرتين لمصالح المنتسبين إليها، تحوَّلتا إلى أعباء وأثقال ترهق كاهل المجتمعات وتزيدان من آلامها. وأدركتا منذ البداية أن تصادمهما يؤدي إلى خسارتهما معاً. فكان تحالفهما طبيعياً يتناسب مع قانون حماية المصالح المتبادلة. وفي حال عمل أحدهما على إسقاط الآخر إذا اختلت موازين المصالح بينهما، فإن الخوف من إضعاف سلطانهما معاً، كانا حريصين على إعادة قواعد التحالف لتوزيع المهام بينهما بحيث يستفيدان معاً. ولذلك لم يعرف تاريخ التحالف محطات دائمة من الخلاف بينهما، ما إن تختلُّ لسبب أو لآخر، حتى تُبادر المؤسستان لرأب الصدع بينهما.

واستطراداً، من وظيفة المؤسسة السياسية القيمية أن تُلزم المؤسسة الدينية بتنمية الثقافة الروحية على أساس تنمية المدارك العقلية بدور الإنسان في صناعة حياته وفق ما غرسه الخالق من إمكانيات لديه بالقوة، وإخراجها إلى إمكانيات بالفعل. ومن وظائف المؤسسة الدينية أن تحثَّ الإنسان على مطالبة المؤسسات السياسية بحقوقها بالعيش وفق مبادئ العدالة والمساواة التي خلقها الله في الإنسان فطرة تصل إلى مصاف الغريزة.

إذن، لكان الأمر طبيعياً لو تفرَّغ كل طرف من أطراف الثنائي، السياسي – الديني، لتوظيف نشاطاته في تطوير البشرية وتوظيف دور كل منهما لمصلحتها: تنمية مادية تلبي الحاجات الجسدية، وتنمية روحية تلبي حاجات الإنسان النفسية. ولكن الأمر لم يكن طبيعياً على الإطلاق فبدلاً من أن تتضافر الوظائف من أجل سعادة الإنسان بحيث يضع التحالف جهوده في خدمة البشر، فإنهما معاً تضافرت جهودهما لوضع البشرية في خدمة المؤسستين، تعمل كل مؤسسة منهما على تسخير البشر لمصلحة كل منهما. ومن خلال قراءة تاريخية لمسارات التحالف لم نجد محطة واحدة تؤكد عكس ما قمنا باستنتاجه. وإذا حصل التناقض بين المؤسستين فإنما كان لخلل يقع في اتفاقهما أو اختلافهما على توزيع الحصص بينهما من أجل كسب ودِّ الناس.

وإذا كان لنا فرصة في تحميل المسؤوليات فإننا لن ننسى دور المؤسسات الدينية، التي تزعم أنها تمثِّل القيم الإلهية على الأرض. ومن أهم تلك القيم تأتي قيم العدالة والمساواة في المقدمة منها. والتي زعمت أيضاً أنها تعمل وفق رسائل السماء في الدفاع عن حق الفقراء والمظلومين. وبدلاً من ذلك وظَّفت، ما تزعم أنها رسالة إلهية، ووضعتها في خدمة المؤسسات السياسية بالتحالف معها لابتزاز البشر بلقمة عيشهم من جهة، وبخلاص أنفسهم في الآخرة من جهة أخرى.

ومن أجل البرهان على أن المؤسسات الدينية انحرفت عن وظيفتها الرسالية السامية، سنقوم بالمقارنة بين ما دفعه الأنبياء والقديسين من أثمان وآلام، وبين ما تجنيه المؤسسات الدينية من مكاسب وامتيازات. وبمراجعة لسلوك الأنبياء عبر التاريخ وأسباب قيامهم بثوراتهم الدينية، لوجدنا أنها كانت بسبب ما يلحق بمجتمعاتهم من مشاكل تعيق حصولهم على شروط حياتية أفضل، فأعلنوا وقوفهم إلى جانب تلك المجتمعات والدفاع عن حقوقها في مواجهة الظالمين. ولعلَّ ما قدَّموه من عذاب وآلام ما يُعيب على المؤسسات الدينية الحالية ما تظهر به أمام البشر من مظاهر الترف والرخاء. جينذاك، كان كل صاحب رسالة دينية ينطلق من ظروف البشر الاجتماعية والبيئية الصعبة ليبشروا أن خالق الكون وهب البشر حقوقاً متساوية، وكانت رسالتهم دعوة واضحة لنشر العدالة والمساواة. وكانوا ينذرون من يخالفها بأنه يخالف الخالق.

وأما عن الخالق، الذي هو مجرَّد عن التجسيد، فقاموا بتجسيده لتقريب الفكرة من مدارك العامة. وأغرقت المؤسسات الدينية نفسها بالتجسيد ولم يبق منها سوى العبادات والصلوات كوسيلة منفردة لخلاص ليس الأنفس فحسب، بل اشتطوا بها إلى خلاص الجسد من عذاب الجحيم أيضاً. ونأت بنفسها عن تطوير الوسيلة والارتقاء بفكرة الله إلى مكان أسمى من الصفات المادية.

ومن هنا، ابتدأت إشكالية الأديان السماوية. فقرنوا صورة الخالق بصفات بشرية، كالغضب، والقهر، وممارسة التعذيب، و…إلخ.. ولعلَّهم جميعاً وجدوا الحل بالتقرُّب من القوة التي تفوق القوى الأخرى مقدرة، وهي قوة خالق الكون. وتكاد وسائل التقرب عندهم تنحصر في ممارسة العبادات والطقوس لكسب رضاه، والحصول على عفوه. وخالق الكون، كما يزعمون، هو من يهب الرزق للبشر، يرزق من يعبده ويحميه من المخاطر. ويحجب الرزق عمن لا يعبده، ويتودد إليه.

إن تجسيد الخالق على هذا الشكل، أصبح شبيهاً بأي حاكم يهدد ويتوعد، ويرزق ويحمي من الخطر، …  والتي لن يحصل علىها سوى من يتقرَّب منه بالعبادات والصلوات، سواءٌ تلك التي يمارسها في حياته، أم كانت تلك التي ينوب عنه في أدائها رجال الدين زعماً أنهم يؤدونها عنه لراحة نفسه. فأنتج هذا التجسيد تأثيرات سلبية على أصول التربية الروحية للبشرية كلها، وما هي تلك السلبيات؟

نتج عن ذلك عاملان سلبيان أساسيان، وهما:

-العامل الأول: إعفاء المؤسسات السياسية من مسؤولية القيام بواجباتهم لتوفير أسباب العيش الكريم لكل البشر. وكأنَّ الغنى والفقر هما شأن من شؤون الخالق لا دخل للسياسيين فيه.

-العامل الثاني: إعفاء الإنسان، كفرد ومجموعة، من مسؤولية تدبير شؤونهم المعيشية، بحجة أن الله كتب عليهم الفقر والفاقة. ولم يحثوا الإسان على طلب الحق بالعمل. وكذلك بالحقوق الأخرى. فوفَّروا على السياسيين عبء خضوعهم للمساءلة أمام الخاضعين لحكمهم.

وبالمقاربة بين السر الحقيقي في خلق البشر، ورسم خارطة طريق لهم بكل تفاصيلها كما يرسمها رجال الدين، تبدأ الفاجعة في التربية الروحية والجسدية. إذ أن المؤسسات الدينية ربطت مصير البشرية بممارسة العبادات كطريق للخلاص في الحياة المادية في الدنيا، وخلاص أنفسهم في الآخرة، من دون تحميل للإنسان أية مسؤولية عن أعماله، أصبح وكأن القصد منه  تعمية دور المسؤول الدنيوي وإعفائه من المسؤولية وتجهيلها. وأظهرت وقائع العلاقة بين المؤسستين أن التربية الروحية، الموكولة للمؤسسة الدينية، وكأن هدفها أصبح تقرباً من السياسي وليس من الله.

وبهذا أغرقت المؤسسات الدينية دورها بالطقوس والعبادات، وأهملت بشكل واضح أن الأنبياء قاوموا الأذى الذي لحق بهم في دفاعهم عن حقوق الإنسان، ومواجهتهم للحكام الظالمين، وليس كما يزعمون دفاعاً عن (نصرة الله)، بل دفاعاً عن حقوق الناس. فحقوق الإنسان هي من القيم الإنسانية الخالدة، بينما الله ليس بحاجة إلى نصرة أحد. ومن يدعو إلى تلك النصرة، ليس هو من يشكك بقدرة الله على حماية نفسه فحسب، بل هو على يقين أن الله ضعيف يستحق النصرة. وإذا قام البعض بتأويل النصرة أنها (نصرة الحق)، فإن حق البشر في العيش الكريم في الحياة الدنيا حق إلهي من دون منازع. لذلك كان الأحرى بتلك المؤسسات أن تدعو لنصرة حقوق البشر، وليس كما يزعمون أنه (نصرة لله).

لكل ذلك، ومن أجل إصلاح ما اعوجَّ من علاقة شاذة بين المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية، أصبح إعادة تصويب دور المؤسستين أمراً واجباً:

-تصويب دور المؤسسات الدينية واجب أساسي في العلاقة مع الإنسان، وذلك بإنقاذه مما لحق بتلك المؤسسات من نزعات تبغي الربح، وتتشارك به مع المؤسسات السياسية، ويكون الإنسان ضحيتها الأولى، وهذا ما يتعارض مع العدالة الإلهية. وهذه الرسالة لن يستطيع القيام بها سوى رجل الدين ممن تخلَّى عن أهواء الربح المادي وإغراءاته.

-تصويب دور المؤسسات السياسية التي من وظائفها أن تُلزم المؤسسات الدينية القيام برسالة الإرشاد بعيداً عن أي نزعة ربحية مادية. وهذه الوظيفة لن يستطيع القيام بها سوى الحاكم الذي يؤدي وظيفته في توفير العدالة والمساواة في شتى جوانبها المادية والاجتماعية.

وأخيراً، أصبح فصل مهمة رجل الدين عن مهمة رجل السياسة واجباً إنسانياً عاجلاً من أجل إنقاذ المجتمعات من تحالف شاذ بينهما أطاح، ولا يزال يطيح، ولن يتوقف عن الإطاحة، بكل ما للإنسان من حقوق كانت هبة له من الخالق، المنزَّه عن أية صفات بشرية.

وكما نجت بعض المجتمعات من تلك الأحلاف الشاذة، آن لمجتمعاتنا، خاصة منها التي تخضع لحكومات دينية، أو ما يشابهها، أن تنجو بخلاص أنفسها في الحياة. وتترك أمر البتَّ بها بعد الموت لخالقها.

توظيف الدين في خدمة الإنسان وليس في خدمة السياسيين

0