في عيد ميلاده 73  يزداد البعث  نضجا وصمودا و ثباتا

في عيد ميلاده 73  يزداد البعث  نضجا وصمودا و ثباتا

يوسف الشارني

مرت الأمة العربية بصفحات متعددة في تاريخها صعودا و نزولا  في ظل غياب تشخيص واقعي ورؤية واعدة تنقلها من وضع  إلى أخر  أفضل و متقدمة بين الأمم و بقيت تصارع من اجل البقاء و تعرضت إلى استعمار غاشم لكل  أقطارها عمد إلى مزيد  تقسيمها و تشريد شعبها و نهب خيراتها مما عطل حركة النهوض و التطور وفرض عليها حالة من التخلف بعد أن فرض حكاما يدينون بالولاء لهذه الدول الاستعمارية و يفرضون قيودا على شعوبهم بل أكثر من ذلك  يفرضون القهر و الاستبداد أكثر من المستعمر و أصبحت معاناة المواطن العربي لا تطاق  في هذا الوضع المتردي و المتخلف وفي ظل هذا  المخاض الذي عاشته الأمة العربية و معاناة شعبها  برز مفكرون بررة من أبناء هذه الأمة و شخصوا الواقع العربي تشخيصا دقيقا وواقعيا مفاده أنّ لا حل لهذه الأمة إلا بإزاحة الاستعمار و تحرير الأرض و الإنسان و لا أمل أن تعيش هذه الأمة بسلام إلا إذا  اكتسبت احترام بقية الأمم و لن يكون ذلك إلا باكتساب قوتها و لن تكتسب القوة إلا من خلال وحدتها و لن ينعم الإنسان بالحرية إلا في ظل العدالة و المساواة و احترام لذاته  و لذلك تداعى غيارى من أبناء الأمة لوضع أهداف  تكون بالضد  مما تعيشه أمتنا و شعبها  فبدأوا  ببلورة  أفكارا و مبادئ و أهدافا  مستلهمين العبر من تجارب سبقتنا و بدأت تتبلور حركية  في اتجاه التوعية و التبشير بالمشروع العربي القومي و خاصة داخل القطر السوري لتوضيح الرؤية الأساسية لخروج الأمة العربية من حالة الهيمنة و التخلف و الانقسام و بدأ تنظيم التظاهرات و المحاضرات و الندوات بقيادة القائدة المؤسس المرحوم ميشال عفلق و رفيقه صلاح البيطار في إطار حركة الإحياء العربي على مر فترة من الزمن خلال ثلاثينات و أربعينات القرن الماضي و لقيت هذا التحركات  و هذه الرؤية قبول لدى أبناء الشعب العربي السوري و قي صفوف أبناء شعبنا العربي في عدة أقطار عربية إلى أن تم إنضاج الفكرة الأساسية و تحشيد الدعم الجماهيري لها من خلال الإقناع  لتتجسد عمليا يوم 7 نيسان ( افريل ) 1947  في انعقاد مؤتمر تأسيسي لحزب البعث العربي وبذلك ظهر حزب البعث كمدلول فكري وتنظيمي و سياسي و عملي ليعلن ميلاد أمة وولادة مشروع عربي قومي وولادة تنظيم وولادة أمل لجماهير الأمة وولدت رسالة الأمة ،و منذ ذلك التاريخ شرع  مفكرو  البعث في وضع  الرؤى الفكرية  و التنظيمية وانطلاق الكتابات و بدأ الحزب ينضج شيئا فشيئا إلى أن تم الاندماج مع الحزب العربي الاشتراكي و يأخذ التسمية التي رافقته إلى الآن ” حزب البعث العربي الاشتراكي ” وبدأ  يتبلور التوجه القومي العقائدي الواعي بالمرحلة و تعقيداتها و صدرت  أولى كتابات الرفيق القائد المؤسس عن معنى القومية العربية ورؤية البعث لها  حيث ورد في كتابات في سبيل البعث للقائد المؤسس ” إن القومية العربية لدى البعث هي واقع بديهي يفرض نفسه دون حاجة إلى نقاش أو نضال ، إلى أن يقول : أما النظرية القومية فهي التعبير المتطور عن هذه الفكرة الخالدة حسب الزمان والظروف، وأن هذه النظرية تتمثل اليوم حسب اعتقادنا في الحرية والاشتراكية والوحدة، و بهذا  التفريق تتسع القومية العربية لكل هذا الواقع الغني الممتد عبر عصور التاريخ في جميع أقطارنا، فهي تحتضن هذا التاريخ وتتغذى به وتؤلف من عناصره المختلفة تجربة واحدة موحدة”

 ثم يضيف  القائد المؤسس موضحا  معنى القومية  العربية و يقول  “أن فيها الشروط الابتدائية لكل قومية، وعربية بمعنى أن فيها التطور الخاص بالأمة العربية عبر مختلف العناصر والحضارات والأزمنة، وأن الصفة العربية المشتركة التي وحدت بين هذه العناصر جميعا ، وكانت اللغة العربية أبرز عنوان، لهذا استمرت دون انقطاع… الاستمرار بما تتضمنه اللغة عادة من وحدة في التفكير وفي المبادئ والمثل وبهذا المعنى فقط يأخذ التاريخ قيمة في قوميتنا.. فنحن لا ندخل التاريخ في قوميتنا ليكون صورة وقدوة بل لأنه التربة الحية التي نما فيها وعينا وتصحح وتكامل حتى بلغ هذه المرحلة الحاضرة التي نعبر فيها عن قوميتنا الإيجابية بكليتها.”

كما ان البعث جعل شعاره ” امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ” حيث قال عنه القائد المؤسس” المهم أن نعرف أن هذه القومية التي وصفناها بالخلود وبأنها  تفترق عن المضامين المختلفة التي تعبر  عن نفسها خلال الزمن وبالتفاعل مع الحوادث والظروف و لا  يعني الخلود فيها جمودا و انما يعني ثباتا و استمرارا  للحد الأدنى  من المقومات تبنى عليها وتنسج حولها تعبيرات متنوعة متجددة فهي خلق، دائم وأضاف فهي  بهذا  المعنى تخلق المستقبل وتخلق الماضي نفسه” ووفقا لمفهوم القومية العربية و معنى الرسالة الخالدة حدد البعث أهدافه المتمثلة في الوحدة و الحرية و الاشتراكية  و بمناسبة ذكرى ميلاد البعث لا بد من تذكير مناضليه أولا و أبناء شعبنا على امتداد الوطن العربي ما هو البعث؟  لنقول  البعث حركة عقائدية أي بمعنى حركة ذات عقيدة والعقيدة هي حصيلة الدراسة العلمية للتاريخ و للقوى الفاعلة فيه. لتصارع هذه القوى و للقوانين المسيرة لها، وبالتالي هي الخلاصة المستنتجة من تجربة العالم التاريخية. من هنا، فإن البعث طور عقيدته أي قوانينه مع تطور التاريخ ،إذا  فالبعث عقائدي، و لكنه ليس مذهبا جامدا دغمائيا ً ينطلق من أن العالم بشكل عام، والتاريخ بشكل خاص حركة دائبة، الحركة هي نتيجة تصارع قوى، وليست مجرد تصاعد مستمر.،.

كما أن البعث حركة قومية وإنسانية بامتياز تجلى  ذلك في النضال ضد الاستعمار، الواضح الهوية، بعد أن تمت الإجابة عن السؤال المطروح  من نحن؟.. ما هويتنا؟ ولقد أجابت ظروف الصراع التاريخي نفسها عن هذا السؤال: نحن عرب. قال البعث “أمة عربية واحدة أي انه آمن بوحدة الأمة”. المرتكزة على وحدة اللغة والتاريخ والأرض و المصير و هي العناصر الأساس التي بنيت عليها  وحدة الأمة العربية  فهو بالأساس حركة عربية  لا عالمية  ، قومية لا أممية  و لكنه حركة تقدمية  ترفض  الاستعمار فكريا و نضاليا لذلك فالبعث إنساني  يعي معنى التحالف الطبيعي بينه وبين جميع قوى الثورة والتقدم والاشتراكية في كل أنحاء العالم ومن هذا المنطلق فإن  البعث أيضا حركة نضالية لأنه لو كان عقيدة فحسب، لكان مدرسة فكرية فحسب.. ولكنه إلى جانب ذلك نضال. من حيث هو عقيدة، فهو علم ووعي.. من حيث هو نضال، فهو حركة وقوة فاعلة. لا متفرجا ، نضاله عقائدي و  نابع من وعيه للتاريخ، ومن كونه قوة فاعلة فيه ،بمعنى أن نضاله ليس أعمى، إنه يسترشد بتجارب الإنسان الماضية، فيدرك غايات نضاله، ويدرك وسائل نضاله، ويستعمله، وكما أن العقيدة تنير سبيل النضال، فممارسة النضال تعمق معنى العقيدة وتوضحها، وتطورها وغايته من النضال أن يكون القوة الدافعة لتحقيق حتميات التاريخ المقبلة. حتميات التاريخ محصلة قوى دافعة إلى الأمام ضد قوى تشد إلى الوراء. واجب البعث خلق القوى الدافعة، اختصار التاريخ، و  تحقيقه. ومن أجل أن يكون البعث قوة،عمد مناضلوه  ليكون  أولا  تنظيما، و حزبا حيث  وضع ضمن أولويات خطته تنظيم الشعب وتعبئته حول العقيدة التاريخية السلمية، واستنفار قواه وتحريكها ثوريا  من أجل المشاركة الفعالة في النضال الثوري ،و يعتبر  مقياس نجاحه في أداء  رسالته هو  التفاف جماهير الشعب حوله في ميادين النضال من المحيط إلى الخليج و باعتبار أن البعث هو حركة نضالية فكان و لازال و سيبقى   حركة ثورية باعتبار أن ولادته نابعة من معاناة أمة و من حيث أنه ضد الأوضاع  التي ولدته، ومن حيث هو انفتاح لخلق أوضاع جديدة تقدمية، هو ثورة، وليس حركة إصلاحية و الثورة رفض لوضع، وانفتاح على نقيضه. والثورة تستهدف بناء مجتمع عربي موحد، تسوده علاقات اجتماعية تقدمية، ويختفي فيه الاستغلال الطبقي، وتتفتح فيه طاقات الجماهير من . خلال الثورة على الوضع القائم ، من خلال ثورة الجماهير لرفض واقع فاسد، لا يتغير هدف الثورة فحسب بل تتغير الجماهير نفسها لتنقلب على ذاتها، وتتخلص من رواسب المجتمع  الثائرة عليه، والتي هي منه، وتصبح قادرة على بناء مجتمع جديد.،من خلال ثورتها على وضع تاريخها و تحقق ثورة في ذاتها. فتحقق ذاتا جديدة، مبدعة خلاقة، منصهرة في حركة التاريخ… كل الصفات التي ذكرت لن تتحقق إلا في صفوف الجماهير و بالجماهير و من أجل الجماهير و لذلك فإن البعث حركة جماهيرية لأن الجماهير هي الأداة الأساسية لأي عمل واعتبر البعث  أن  أي عمل لا يؤمن بذلك فهو عمل فوقي  ومنحرف وبعيدا كل البعد عن نبض الجماهير و تطلعاتها  و لن تكون غايته هي الجماهير و إن كانت كل هذه الصفات تنبع من مبادئ البعث الأساسية فإن البعث حركة اشتراكية ولن يكون إلا كذلك باعتبار أن الروح الثورية التي يخلقها النضال القومي بين الجماهير لن تؤدي بالجماهير الكادحة وقد تحررت من رواسبها ورواسب المجتمع التي تشد إلى الوراء إلا  إلى رفض الاستغلال بكل أشكاله و صوره لذلك فان اشتراكية البعث هي نقيض للنظام الرأسمالي المتوحش و الاشتراكية لدى البعث ليس نظام اقتصادي مجرد بقدر ما هي  وعي  و تثوير للقوى الفاعلة في المجتمع لتكون قادرة على إبراز قدراتها و مواهبها في الإبداع و الخلق و التطور و النهوض بإمكانيات الأمة و تأطيرها ،وفي هذا الإطار يقول القائد المؤسس “إن ما أطمح به من الاشتراكية  ليس زيادة في ثروة المعامل، بل في ثروة الحياة، وليس همي أن يتساوى الناس في توزيع الطعام بقدر ما يهمني أن يتاح لكل فرد إطلاق مواهبه وقواه”.

و انطلاقا من المعاني و الصفات السابقة فإن  البعث هو  ثورة شاملة على كل ما يوقف حركة المجتمع و تطوره و تطلعاته نحو الأفضل ،  فهو ثورة ضد الاستعمار وثورة ضد التجزئة و ثورة ضد الاستغلال و التسلط و هو ثورة على الرواسب الاجتماعية وثورة على  التخلف و الجهل و التعصب  من أجل بعث أمة عربية واحدة تجمعها دولة واحدة قادرة أن تدافع عن نفسها و أن تعيش بسلام بين الأمم بعيدا عن منطق الهيمنة و التبعية و الانهزامية  في مجتمع  اشتراكي عادل و متقدم تستعمل فيه الجماهير كل طاقاتها و إمكانياتها و تتمتع بحرياتها و استنادا لكل ذلك وضعت الأهداف الكبرى للبعث في عناوين بارزة وكبيرة هي   الوحدة و الحرية و الاشتراكية.

و لم تبق هذه المبادئ والقيم و المعاني و الصفات التي ذكرت مجرد نظريات و أقوال بل تم ترجمتها على أرض الواقع حيث استطاع الحزب أن يكون مؤثرا في المشهد السوري و ساهم في حكم سوريا في خمسينات و ستينات القرن الماضي  و أنجز الوحدة مع مصر العربية  الذي كلفته ثمن حل نفسه  و ساهم في تفجير ثوريتين  في العراق سنتي 1963 و سنة 1968  و قام بانجازات عظيمة يعترف بها العدو قبل الصديق إلا أن هذه الإنجازات لم تعجب الأعداء  من الاستعماريين و الخونة والساقطين فتحالفوا  على إسقاط التجربة البعثية في العراق  رغما عن الشرعية الدولية  و كل الشرائع السماوية ودمروا مؤسساتها و اغتالوا رجالاتها و علمائها و قادتها  ورغم ذلك بقي البعث بل و استطاع أن يهزم الأعداء و يجبرهم على الخروج من العراق و يواصل مقاومته من اجل التحرير و كنس العملاء و الخونة ، كما ساهم البعث في كل معارك التحرير العربية  مع الكيان الغاصب و مد يد المساعدة لأقطار عربية  تم تهديدها من طرف جيرانها و مد يد المساعدة العلمية وغيرها لعدة أقطار عربية  و أخيرا ساهم  البعث مساهمة فعالة في إسقاط النظام الدكتاتوري في السودان ،كل هذه الانجازات رافقها بناء أفقي  و انتشارا على مستوى الأقطار العربية ليساهم البعث مع القوى الديمقراطية و التقدمية في النضال ضد الدكتاتوريات و إسقاطها  والمساهمة الفعالة في تأطير المجتمع العربي من اجل الدفاع عن الأمن القومي العربي و الانخراط في النضال لاسترجاع الحقوق العربية المسلوبة  في الأحوازالعربية  و سبتة و مليلة و لواء الإسكندرون والجزر العربية الثلاثة و في مقدمتهم فلسطين العربية  .و يبقى البعث في طليعة القوى التقدمية و القومية  من حيث التضحيات حيث قدم ألاف الشهداء من مناضليه ورموزه و قادته  على مستوى الوطن العربي و لم يتنازل يوما عن الحق العربي مهما كانت المؤامرات و الأجندات و الاعتداءات التي طالته و طالت مناضليه ..

ليزداد البعث  في عيد ميلاده تألقا و صمودا وثباتا  و شموخا  و يبقى أحرار البعث ثابتين على المبادئ و في الصفوف الأولى للنضال مستلهمين تضحيات مناضليه ورموزه و قادته على مر التاريخ  من أجل الدفاع عن حاضر الأمة و بناء مستقبل شعبها… 

                                                                    يوسف الشارني

                                                         تونس في 7 أفريل( نيسان ) 2020

                                                                             

في عيد ميلاده 73  يزداد البعث  نضجا وصمودا و ثباتا

0